بقلم غادة حيدر

هل سقطت العروبة؟

17/03/2019



سؤال يطرح نفسه في هذه الفترة المصيرية من تاريخ المنطقة في ضوء تراجع شعور الرابطة القومية بين شعوب المنطقة العربية لمصلحة إنتماءات طائفية ومذهبية ، بعد أن نجحت القوى المعادية للقومية العربية، بتعميمها بأدوات محلية.
تحولت القومية العربية أيديولوجيا وعقيدة وهوية، وأسست لها الاحزاب والتيارات والحركات السياسية والفكرية والثقافية والطالبية وحتى العسكرية، وآمنّا بها كمشروع سياسي فكري متكامل ، ودفعنا في سبيلها تضحيات ورسمنا أحلامنا فوق راياتها وفي ميادين القتال.
للوهلة الأولى لا يمكننا إلا التسليم بسقوط المشروع القومي العربي، والتسليم بغلبة الإنتماءات الدينية الفئوية، اما الأسباب فعديدة وبنيوية، بعضها في المشروع القومي نفسه، وبعضها يكمن بطبيعة الأنظمة العربية التي أغلقت على ذاتها نوافذ تطور العملية الديمقراطية داخل مجتمعاتنا العربية. تتغير الحجج لكن النتيجة واحدة : أنظمة لا تعترف شكلاً بالفكر القومي العربي ، لأن بنية النظام إسلاموي لا يحتمل التغير الديمقراطي. وأنظمة أخرى قدمت الصراع العربي – الإسرائيلي كأولوية على ما عداها من أولويات ، في تناقض غير مبرر على الإطلاق، أو الدول المدنية العربية.
لقد أنهى مناصرو الفكر القومي العربي تجربتهم بإيديهم عندما إكتفوا بطرح الشعار القومي العربي خارج إطار النضال الحقيقي في سبيل بناء الدولة المدنية – الديمقراطية، دولة القانون والعدالة الاجتماعية.
لم تكن العروبة أو الوطن العربي الواحد أو الأمة الواحدة ، سوى فكرة أجهضتها الانظمة الديكتاتورية ، وسلطات المال والدين، التي حكمت وحكمتنا بإسم العروبة والقومية العربية. ولنعترف أيضاً وأيضاً ان العروبة وهويتها الفكرية وحلمها التاريخي بتحرير فلسطين، قد انهزمت في العام 1967 ، يوم كانت الهزيمة الكبرى أمام جيش صهيوني صغير. وقد انهزمت يوم اصبحت الاحزاب العروبية او القومية في السلطة. أحزاب حكمت بالرصاص والنار والدم. قمعت وقتلت وسجنت وأرسلت نخب شعوبها الى المنافي والقبور ، حتى كفرنا بالعروبة والقومية العربية والرسالة الخالدة.
لا أنسى سؤالاً لصديق راحل من المفكرين، أفنى حياته من أجل العروبة، وكان يردده أمامي في كل حلقة نقاش عن العروبة :"هل تعلمنا من دروس هزيمة عروبتنا وحروبها وحروب الدفاع عنها؟ بالفعل سيبقى هذا السؤال يؤرقنا بعد أن فشلنا في عروبتنا ، وفي بناء دولنا الوطنية تالياً، فهزيمتنا لا تقف عند عتبة هزيمة العروبة، بل هزيمتنا في بناء الدولة الوطنية لا يقل شأناً عن "هزيمة عروبتنا".
لقد أصبح ذاك الحلم بوطن حضاري ، لا يحكمه رؤساء الطوائف والقبائل ، في أتون الموت اليومي، وأصبح بناء الدولة الوطنية امراً مستحيلاً في زمن حيتان المال ومناقصات الفساد. الكل يسبّح بحمد الوالي، والكل يسعى وراء المكاسب والمناصب، والكل يعتبر نفسه شريكاً في شركة تجارية، فأصبحت الدولة الوطنية فعلاً وقولاً شركة تجارية أسهمها موزعة بالتراضي بين قوى سياسية وحزبية فاسدة متحالفة مع طبقة ممعنة بالفساد من رجال الدين، وهم من حيث يدرون أو لا يدرون يساهمون في تدمير ما تبقى من هياكل دولة وطنية.
امثلة كثيرة على انهيار العروبة كحلم في الوحدة والتقدم مقابل الغزو الديني بكل مكوناته لمنطقتنا العربية...ومنها المحاولة الفاشلة التي حصلت وسميت بالربيع العربي والتي أدت الى بروز الحركات الدينية التي استطاعت أن تمسك بالسلطة ومحاولة تحويلها سلطة دينية كما حصل في مصر ، وانهاء المحاولة بإنكفاء حركة الاخوان المسلمين لصالح عودة العسكر الى السلطة ، وهذا يدل ايضا على تخبط وضياع الحركات المدنية ، وضعف تأثيرها ، لعدم امتلاكها برنامج متماسك وجدي لبناء سلطة مدنية ديمقراطية ، ولا تزال حركات المجتمع المدني منكفئة حتى اللحظة امام ثبات الحكم العسكري.

المثل الاخر هو بروز تيار الاخوان المسلمين في تونس ، واستلامهم السلطة في الفترة الاولى مما سمي ثورة الياسمين في تونس، ثم انكفائها وتحالفها مع فلول النظام السابق ، ممثلا بانتخاب السبسي رئيسا للجمهورية .

أما باقي الدول العربية آلتي اشتعلت بالربيع العربي ، فلا تزال غير مستقرة لا بل تحولت ساحة حرب أهلية ، وأكبر دليل على ذلك ما يدور في سوريا التي دمرت بطريقة شبه كاملة، بتضافر الجهود الدولية وجهود الحركات الاسلامية المتطرفة.

ان بناء أنظمة عربية مدنية ديمقراطية لا بد ان يسبقها بِنَاء حركة مدنية متماسكة واضحة الأهداف والبرنامج من نقابات جدية تمثل الفئات العاملة بكل شرائحها وأحزاب مدنية علمانية تمثل مصالح الناس وليس همها المشاركة في السلطة كيفما كان واعلام يتبنى الديمقراطية فعلاً ، ولا يكون همه فقط " الريتنغ" والاعلانات لغاية التمويل والربح.

ان التغيير لا بد أن يبدأ من إيجاد قاعدة شعبية، ترى ان مصلحتها هي في قيام نظام مدني ديمقراطي لا شأن للدين والأديان فيه .
فهل نتعظ ونتعلم من دروسنا وماضينا؟
إن في ذلك الشرط الأول لإعادة إحياء المشروع القومي العربي في حلته الجديدة، وتجديد شبابه وإعادة ثقة الشعب العربي بضرورته.
أما شرط تحقق المشروع هو زوال الأنظمة الدينية والإستبدادية على حد سواء.




                        488 مشاهدة

يلفت موقع ليبانون تاور الألكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

X

اشترك لتصلك أهم الأخبار عبر بريدك الالكتروني





مقالات -
ثقافة وفن -
آخر الأخبار -
سري جدا -
تحقيقات -
أمن -
سياسة -
جميع الحقوق محفوظة لدى

LEBANONTOWER.COM

Powered by LIGHT CLICK www.light-click.com