فن
الخوف

22/10/2018



بقلم منذر ياغي _________

"إنهض، لقد حان الوقت"، صرخ لي السجّان في صباح يوم خريفيّ.

مكبّل اليدين مشيت، جاهلاً ما ينتظرني، عابراً أروقة طويلة يخترقها نور ضعيف ونسيم هادئ.
"وصلنا"، قال لي السجّان قبل أن يفتح باب خشبي ضخم. دخلت إلى قاعة كبيرة تعجّ بأشخاص جالسين على مقاعد بنّية، بعضهم وجوههم مألوفة. في آخر القاعة يجلس رجل يشعّ النور من وجهه، يرتدي ثوباً أسود، في يده مطرقة، وفوقه لافتة معلقة على الجدران كتب عليها: "العدل أساس الملك".

بدأت همسات الجالسين تملأ القاعة، وأصواتهم تعلو شيئاً فشيئاً ، تتناقل كلمات لم أفهم منها سوى إسمي، إلى أن أخترقها صوت مطرقة الرجل وهو يصرخ "هدوء":
- إجلس يا بني،فالظلام أتعبك وحان وقت النور
- ما هي تهمتي سيدي ؟ما هي الجريمة التي ارتكبتها كي أحاكم أمامك وأمام الجميع؟

- أنت متهم بالخوف، القاتل الصامت، أسكنته في نفسك وكنت شريكاً في جرائمه..

- الخوف؟أهذه تهمة وجريمة؟

- الخوف يقتل،والقتل جريمة،والجريمة تهمة..

- أي قانون في العالم يحاكم الناس الخائفين؟ أهذه مسرحية؟
- قانون الكون، قانون الطبيعة. لو كان النهار يخاف من الليل، لما كان يرسل ابنته الشمس كل يوم لتمزّق ذلك الرداء الأسود وتعلن عن انتصار الشروق.

لو كانت أغصان الأشجار تخاف من الرياح العاتية، لبقيت جذوراً في الأرض خجولة تحت التراب وكانت "الشجرة" مجرّد كلمة وحيدة في قاموس منسيّ.

أنظر خلفك، أترى ذلك الرجل النحيل الذي يرتدي بذلة سوداء؟ كان يحلم دوماً بأن يتولّى منصباً إدارياً رفيعاً وهو صاحب كفاءة، ولكنه خاف من مواجهة العوائق على هذا الطريق، خاف من الفشل، ففشل. وها هو يومياً يرتدي تلك البذلة، لعلّها تشعره بأهمية ما، ولو كان جالساً على حافة حلمه ويراقبه يختفي ويندثر.

أترى تلك الفتاة، صاحبة الشعر البني والفستان المزين بتطريزات ورود وأزهار؟ كانت وردة جميلة في حديقة رجل، لكنه تركها تذبل وسرق منها ألوانها. خافت من علاقات جديدة، ثيابها تملؤها الورود، ولكن حول قلبها أشواك، لن تقلع إلا على يد من يقدّر الورود، ولكن الخوف...

- ولكن لماذا أنا؟من منّا لا يخاف؟

- لو خاف النسر من الطيران، وملاعبة الموت على أطراف أجنحته، لما كان الإنسان استوحى منه وأوجد الطائرة. من لا يخاف هو قائد، كالنسر، كالشمس، كالنور. وفيك أرى قائداً، وضعت فيك ما يحتاجه الناس، وسيحتاجونك لأخذ القوة والصلابة لمواجهة عدو الأحلام والتقدم، لا تخف من القيادة، لا تخف من الفشل، ما تفكر به بصمت أسمعه في العلن، اخترتك كما اخترت كثيرين فالكون بحاجة إلى أمثالكم.

- إذا كنت أنا في حلمٍ فاصدر الحكم ودعني أستيقظ؟
حينها رمى الرجل المطرقة عند أقدامي وقال:
- في هذه الجلسة أنت القاضي، أنت من سيصدر الحكم، أنت من سيرفع الجلسة. فالسجن والأروقة السوداء التي مشيت بها هم مخاوفك، والسجّان هو أنت. فاخرج إلى النور منتصراً، ولا تخف يا بني، فالخوف يقتل فيك كل شيءٍ حيّ، ويحيي فيك كل شيئ لا يستحق الحياة.
اختفى الرجل، تشققت جدران القاعة، وتحولت إلى نافذة دخلت منها أشعة الشمس، وحائط أزرق علقّت عليه صور لي ولعائلتي، وسرير عريض وخزانة خشبية.
في القلب أمل يزهر، وفي النفس صلابة تنمو، وفي البال جملة سمعتها في حلم ذهبي تقول:

" لا تخف يا بني، فالخوف يقتل فيك كل شيءٍ حيّ، ويحيي فيك كل شيء لا يستحق الحياة..."


                        403 مشاهدة

يلفت موقع ليبانون تاور الألكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

X

اشترك لتصلك أهم الأخبار عبر بريدك الالكتروني





مقالات -
ثقافة وفن -
آخر الأخبار -
سري جدا -
تحقيقات -
أمن -
سياسة -
جميع الحقوق محفوظة لدى

LEBANONTOWER.COM

Powered by LIGHT CLICK www.light-click.com